العيني
174
عمدة القاري
الذي هو الجمع ثدوي ، على وزن فعول ، اجتمعت الواو والياء ، وسبقت إحداهما بالسكون فأبدلت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء فصارت : ثدي ، بضم الدال ، ثم أبدلت كسرة من ضمة الدال لأجل الياء ، فصار ثدياً ، وجاء أيضاً : ثدي ، بكسر الثاء أيضاً اتباعاً لما بعدها من الكسرة ، وجاء جمعه أيضاً على : أثد ، وأصله : أثدي ، على وزن أفعل : كيد تجمع على أيدٍ ، استثقلت الضمة على الياء فحذفت ، فالتقى ساكنان فحذفت الياء ، فصار : أثد ، وقال الجوهري : الثدي يذكر ويؤنث ، وهي للمرأة والرجل جميعاً . وقيل : يختص بالمرأة ، والحديث يرد عليه ، والمشهور ما نص عليه الجوهري ، وفي ( كتاب خلق الإنسان ) وفي الصدر ثديان وثلاثة أثد ، فإذا كثرت فهي الثدي ، يقال : امرأة ثدياء إذا كانت عظيمة الثديين ، ولا يقال رجل أثدأ . قوله : ( أولت ) من التأويل ، وهو تفسير ما يؤول إليه الشيء ، والمراد هنا التعبير ، وفي اصطلاح الأصوليين التأويل تفسير الشيء بالوجه المرجوح ، وقيل : هو حمل الظاهر على المحتمل المرجوح بدليل يصيره راجحاً ، وهذا أخص منه ، وأما تفسير القرآن فهو المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة ، وأما تأويله فهو ما يستخرج بحسب القواعد العربية . ( بيان الإعراب ) : قوله : ( بينا ) . أصله : بين ، أشبعت الفتحة فصارت ألفاً ، وقال الجوهري : بينا ، فعلى مشبعة الفتحة قال الشاعر : * فبينا نحن نرقبه أتانا * أي : بين أوقات رقبتنا إياه ، والجمل يضاف إليها أسماء الزمان نحو : أتيتك زمن الحجاج أمير ، ثم حذف المضاف الذي هو : أوقات ، وولي الظرف الذي هو : بين الجملة التي أقيمت مقام المضاف إليها ، والأصمعي يستفصح طرح إذ وإذا في جوابه ، واخرون يقولون : بينا أنا قائم إذ جاء أو إذا جاء فلان ، والذي جاء في الحديث هو الفصيح ، فلذلك اختاره الأصمعي ، رحمه الله تعالى . قوله : ( أنا ) مبتدأ ، أو ( نائم ) خبره ، وقوله : رأيت الناس ، جواب بينا من الرؤية بمعنى : الإبصار فيقتضي مفعولاً واحداً ، وهو قوله : الناس ، فعلى هذا يكون قوله : ( يعرضون علي ) جملة حالية ، ويجوز أن يكون من الرؤيا بمعنى العلم فيقتضي حينئذٍ مفعولين ، وهما قوله : الناس يعرضون علي ويجوز رفع الناس على أنه مبتدأ وخبره ، قوله : يعرضون علي ، والجملة مفعول قوله رأيت ، كما في قول الشاعر : * رأيت الناس ينتجعون غيثاً * فقلت لصيدح : انتجعي بلالاً * ويروى : سمعت الناس ، والقائل هو ذو الرمة الشاعر المشهور ، وصيدح علم الناقة . وينتجعون من : انتجعت فلاناً إذا أتيته تطلب معروفه ، وأراد ببلال هو : بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ، قاضي البصرة ، كان جواداً ممدوحاً رحمه الله . قوله : ( وعليهم قمص ) جملة اسمية وقعت حالاً . قوله : ( منها ) أي : من القمص ، وهو خبر لقوله : ما يبلغ الثدي ، وما موصولة في محل الرفع على الابتداء ، و : الثدي ، منصوب لأنه مفعول ، يبلغ ، وكذلك إعراب قوله : ومنها دون ذلك ، أي : أقصر ، فيكون : فوق الثدي لم ينزل إليه ولم يصل به لقلته . قوله : ( وعرض ) على صيغة المجهول ، وعمر بن الخطاب ، مسند إليه مفعول ناب عن الفاعل . قوله : ( وعليه قميص ) جملة اسمية وقعت حالاً . وقوله : يجره ، جملة من الفعل والفاعل ، وهو الضمير المرفوع الذي فيه العائد إلى عمر رضي الله عنه ، والمفعول وهو الضمير المنصوب الذي يرجع إلى القميص ، والجملة في محل الرفع لأنها صفة للقميص ، ويجوز أن يكون محلها النصب على الحال من الأحوال المتداخلة ، وقد علم أن الجملة الفعلية المضارعية إذا وقعت حالاً وكانت مثبتة تكون بلا واو . قوله : ( قالوا ) ، أي : الصحابة . قوله : ( ذلك ) مفعول قوله : أولت ، قوله : ( الدين ) بالنصب أي : أولت الدين . ( بيان المعاني والبيان ) فيه من الفصاحة استعمال جواب بينا بدون إذ وإذ . ومنها : استعمال جمع الكثرة في الثدي لأجل المطابقة ، وفيه من التشبيه البليغ ، وهو أنه شبه الدين بالقميص ، ووجه التشبيه الستر ، وذلك أن القميص يستر عورة الإنسان ويحجبه من وقوع النظر عليها ، فكذلك الدين يستره من النار ويحجبه عن كل مكروه ، فالنبي صلى الله عليه وسلم ، إنما أوله الدين بهذا الاعتبار . وقال أهل العبارة : القميص في النوم معناه الدين ، وجره يدل على بقاء آثاره الجميلة وسننه الحسنة في المسلمين بعد وفاته ليُقتدى بها ، وقال ابن بطال : معلوم أن عمر رضي الله عنه ، في إيمانه أفضل من عمل من بلغ قميصه ثديه ، وتأويله عليه السلام ، ذلك بالدين يدل على أن الإيمان الواقع على العمل يسمى ديناً ، كالإيمان الواقع على القول . وقال القاضي : أخذ ذلك أهل التعبير من قوله تعالى : * ( وثيابك فطهر ) * ( المدثر : 4 ) يريد به نفسك ، وإصلاح عملك ودينك على تأويل